الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

272

نفحات القرآن

قائمة على دليل أو مستندة إلى شيء ، ويقوم قوم آخرون باتباع أولئك القوم وتقليدهم فيها ، وهذا هو أكبر عامل لانتقال المعتقدات الفاسدة والتقاليد الخاطئة من قوم إلى آخر ، وهذا النوع من التقليد استهدفته أكثر الآيات التي ذمّت التقليد . واضح أن القسم الأول من التقليد هو القسم المنطقي الوحيد ، وقد اعتمدت حياة الناس على ذوي الاختصاصات وعلى هذا النوع من التقليد المنطقي ، لأنّ الإنسان حتى لو كان نابغة زمانه لا يمكنه التخصص في جميع الاختصاصات والفروع العلمية ، خصوصاً ، وأنّ العلم - في هذا العصر - أصبحت له فروع وتشعبات لا تُعد ولا تُحصى ، ومن المحال أن يتخصص إنسان في فروع علمٍ أو فنٍ واحدٍ ، فضلًا عن جميع العلوم والفنون . وعلى هذا ، فكل إنسان يمكنه أن يكون مجتهداً في فرع من فروع العلوم ، أمّا في الفروع الأخرى التي لم يجتهد فيها ، فلا طريق له إلّاالرجوع إلى المتخصصين فيها . إنّ المعمار يراجع الطبيب إذا مرض ، والطبيب يراجع المعمار إذا أراد بناء عمارة ، أي أنّ كلًا منهما « مجتهد » في تخصصه و « مقلِّد » في التخصص الآخر ، وهذا ( رجوع الجاهل إلى العالم وغير المجتهد إلى المجتهد وغير المتخصص إلى المتخصص ) أصل عقلائي كان ولا يزال متعارفاً ودارجاً بين الناس ، بل إنّ عجلة الحياة تسير على هذا النوع من التقليد ، بالطبع أنّ هناك شروطاً ينبغي توفرها في المجتهد الذي يُرجع إليه ، سنتعرض لها بعد ذلك . وهذا التقليد هو الذي أشار إليه الباري تعالى في القرآن الكريم وعنونه ب « أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » . ( الأحزاب / 21 ) كما جاء في الآية : « أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِةْ » . ( الانعام / 90 ) ورغم أنّ الخطاب موجه للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، لكن لا يبعد أن يكون المخاطب به الأمة بأجمعها . أمّا الأقسام الثلاثة الباقية من التقليد فكلّها باطلة ولا أساس منطقي لها ، فتقليد ( العالم للجاهل ) و ( الجاهل للجاهل ) حالهما واضح ، وأمّا تقليد ( العالم للعالم ) فإن كان من باب مراجعة أحدهما الآخر للتشاور وتكميل المعلومات ، فلا يُعدُّ هذا تقليداً بل هو نوع من « التحقيق » .